بين حب الوهم والحقيقة 2

إن الإنسان يولد حقيقةً بأسس وأفكار تزرع في عقله ، وكثير من العقد النفسية والفكرية التي تولد معه نتاج بعض الصدمات ونتاج تلك الأسس والأفكار التي نشأ عليها .. أما اليوم سوف أتحدث بشكل ربما يكون جلي وواضح عن المفارقة التي تحدث بين الوهم والحقيقة .. إن البشر أعزائي يولدون و يتحتم عليهم الموت وهم يعلمون ذلك أن الموت ملاقيهم لا مناص منه .. وهم في رحلتهم في الحياة نحو الموت يسعون إلى ضر بعضهم البعض أو تعذيب بعضهم البعض بطريقة أو بأخرى .. فإن البارادوكسية التي تكمن هنا ويتضح أنها سرمدية ما إن نصل فيها إلى يقين يتدمر كل شيء؛ هو أننا كبشر نعلم أن الموت مصيرنا مع ذلك لا نتوانى عن فعل الشر أو الضرر سواءً لأنفسنا أو سواءً للآخرين أو سواءً لإيماننا .. وكأن فكرة أننا سنعيش للأبد مزروعة فينا بالرغم أننا نرى الموت وندفن الموتى ونزور المقابر .. فإنني أعزائي القراء حاشا أن أتكلم بسلبية .. ولكن الطمع والقتل والجشع والظلم والفساد الأخلاقي والفكري منتشر كإنتشار النار في الهشيم في هذه الأرض موطننا نحن الجنس البشري ، فكيف لتلك الأفعال المشينة تنتج عن مخلوق يعلم أن مصيره الموت وأن عظامه سوف يتحلل وسوف يؤكل بغض النظر عن إيمانه … ونرى الباردوكسية السرمدية جلية في هذا المثال؛ عندما يستثمر الشخص أمواله في سبيل الحصول على بعض المدخرات بعد ٥٠ سنة فكيف بحق خلقنا هذا المعقد أن يعتقد الشخص أنه سوف يعيش لهذا العمر أو أكثر مع ان البشر تترواح أعمارهم بين ٦٠ وال٨١ إن كانوا بصحة طيبة دون أمراض، وهذا غير إحتمالية حدوث الكوارث الطبيعية او الغير طبيعية التي من الممكن أن تودي بحياته .. فهنا يا أعزائي المرهفين الصادقين الذين لطالما أحببت أن أتحدث إلى أفئدتكم قبل عقولكم يظهر بشكل جلي أن الإنسان يعشق الوهم إلى درجة أنه يعتقد أن الخلود مصيره وأنه سوف يبقى في هذه الدُنيا الدنية إلى الأبد ، مع علمه أن الموت مصيره .. فما بال البشر يتقاتلون ويسفكون الدماء والمشاعر والأحاسيس وينتهكون جميع القيم الأخلاقية ولا يتوانون عن فعل أي خطية، وكأن هذه الحياة أبدية سرمدية .. هل للشيطان دور أم أنها أفعال محض أنسية؟ .. فلن نتكلم عن أي عوامل خارجية ميتافيزيقية .. بل سنحلل الموضوع بطريقة موضوعية مادية ، لا تخرج خارج إطار حواسنا الخمسية .. فدائماً مانجد معظم البشر متعطشون للحقيقة ويسعون وراءها ولكنهم محتضنين الوهم بكل قوة وتشبث وهم في سعيهم نحو الحقيقة … ولذلك تجارة الوهم مربحة وتجارة الحقيقة رديئة … فإننا معشر الإنس سنتعلق بطرف الوهم لآخر لحظة وأظن أننا حتى فراش الموت .. فكل منا له طريقته في إختيار أوهامه المهلكة أو البناءة، ولكنها ستبقى في نهاية الطريق وهم .. فذلك الذي يقول: “أنا مؤمن أن في نهاية النفق ضوء” , وذلك الذي يقول: “أن النفق مظلم برمته ولا يوجد به ضوء” فكلهم موهومين ولكنهم متعلقين في الوهم لآخر لحظة .. فبين الوهم والحقيقة تجد البشري في معظم كينوناته وحالاته يتعلق بالوهم خوفاً منه أن يجره ركب الحقيقة ، وحتى وإن جره ركب الحقيقة لن يفلت تشبثه من حضن الوهم لأنه لن يستطيع العيش دونه .. فبين الوهم والحقيقة هناك جسر وذلك الجسر هو الإنسان .. فما إن ينهدم أحد طرفا الجسر (الوهم , أو الحقيقة) ترى الإنسان ينهدم ويتم التنكيل به .. فعلى ما يبدوا أنه ، ليس هنالك إنسان دون الوهم والحقيقة .. فإن هذه منظومة مثلثية هرمية إن فقدت أحد أضلاعها سقطت وهدمت .. ولكن السؤال هنا ما هو الحل عندما يختلط الأمر ولا نعرف أي طرفا الجسر يتحكم بنا أكثر؟ أو أيا طرفا الجسر يحمل في طياته الخير والسعادة لنا؟ وهذه أيضاً مفارقة سرمدية موحشة .. ونتذكر الآن القران الكريم في معانيه: “لقد خلقنا الإنسان في كبد” .. أما عن نهاية هذا المقال الذي قلت فيه قليل مما يختلج فؤادي وفكري، رغم شحي، آمل أن عميق شعوري قد وصل إليكم .. النهاية أنني نعم سوف أموت ولكنني متعلق ببذرة خلودي كأي بشري آخر ، وفي النهاية؛ أنشروا الخير وأعملوا الخير والصلاح والقيم الحميدة وتبنوها بكل تعطش وتقوى وتسليم فإن هذا على مايبدو أمل الإنسانية الأخير الذي سوف يضع الأسس والقواعد التي ستحمي جسر الإنسانية من الإنهدام للأبد.

أضف تعليق